ابراهيم بن عمر البقاعي
594
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
واعتسافهم شيئا لغير اللّه ؟ تذكيرا لهم بما رحمهم به من ذلك في إيجاده لهم أولا وتيسير منافعه ودفع مضاره ثانيا ، استعطافا لهم إلى الإقبال عليه والإعراض عن الخضوع لما هو مثلهم أو أقل منهم ، وهو ملكه سبحانه وفي قبضته ، وتقبيحا لأن يأكلوا خيره ويعبدوا غيره . فقال مقررا لهم على إثبات الصانع والنبوة والمعاد ، ومبكتا بسفههم وشدة جهلهم وعمههم : قُلْ لِمَنْ ونبه بتقديم المعمول على الاهتمام بالمعبود ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . ولما كانوا في مقام العناد حيث لم يبادروا إلى الإذعان بعد نهوض الأدلة وإزاحة كل علة ، أشار إلى ذلك بقوله معرضا عن انتظار جوابهم توبيخا لهم بعدم النصفة التي يدعونها : قُلْ لِلَّهِ أي الذي له الإحاطة الكاملة قدرة وعلما ولا كفوء له ، لا لغيره ، وهم وإن كانوا معاندين فإنهم لا يمكنهم رد قولك ، لا سيما وجواب الإنسان عما سأله إنما يحسن أن يتعاطاه هو بنفسه إذا كان قد بلغ في الظهور إلى حد لا يقدر على إنكاره منكر ، وهو هنا كذلك لأن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة على صفحات الأكوان ، فكان الإقرار به ضروري ، لا خلاف فيه . ولما كان أكثر ما في هذا الكون منافع مع كونها حسنة لذيذة طيبة شهية ، وما كان فيها من مضار فهي محجوبة ممنوعة عنهم ، يقل وصولها إليهم إلا بتسببهم فيها ، والكل مع ذلك دلائل ظاهرة على وحدانيته وتمام علمه وقدرته ، وكان ذلك أهلا لأن يتعجب منه لعموم هذا الإحسان ، مع ما هم عليه من الإثم والعدوان ، وتأخير العذاب عنهم مع العناد والطغيان ، قال دالا على أن رحمته سبقت غضبه مستأنفا : كَتَبَ أي وعد وعدا هو كالمكتوب الذي ختم ، وأكد غاية التأكيد ، أو كتب حيث أراد سبحانه . ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات على ما هي عليه قال : عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي فلذلك أكرمكم هذا الإكرام بوجوه الإنعام ، وأخر عنكم الانتقام بالاستئصال ، ولو شاء هو لسلط عليكم المضار ، وجعل عيشكم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي يعيش بها بعض الحيوانات . ولما كان ذلك مطمعا للظالم البطر ، ومعجبا محيرا مؤسفا للمظلوم المنكسر ، قال محذرا مرحبا مبشرا ملتفتا إلى مقام الخطاب لأنه أبلغ وأنص على المقصود دالا على البعث بما مضى من إثبات أن الأكوان للّه ، لأن كل ما فيها موصوف بصفات يجوز اتصافه بأضدادها ، فاختصاص كل جسم بصفته المعينة إنما يكون بتخصيص الفاعل المختار ، فيكون قادرا على الإعادة ، لأن التركيب الأول إنما كان لأن صانعه قادر على جميع الممكنات لكونه عالما بجميع المعلومات ، والاتصاف بذلك لا يجوز انفكاكه عنه